يحيي بن حمزة العلوي اليمني

129

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

إنما يظهر من جهة ما ذكرناه من المعنى المفهوم ، وأن الإطناب في الضرب الثاني إنما يظهر من جهة اللفظ بإيراد التشبيه للإيضاح والتقرير كما أشرنا إليه . الضرب الثالث أن يذكر الموصوف فيؤتى في ذلك بمعان متداخلة خلا أن كل واحد من تلك المعاني مختص بخصيصة لا تكون للآخر ، ومثاله قول أبى تمام يصف رجلا أنعم عليه : من منّة مشهورة وصنيعة * بكر وإحسان أغر محجّل فقوله منة مشهورة ، وصنيعة بكر ، وإحسان أغر محجل ، معان متداخلة ، لأن المنة والإحسان والصنيعة كلها أمور متقاربة بعضها من بعض ، وليس ذلك من قبيل التكرير ، لأنها إنما تكون تكريرا لو اقتصر على ذكرها مطلقة من غير صفة كأن يقول منة وصنيعة وإحسان ولكنه وصف كل واحدة منها بصفة تخالف صفة الآخر ، فلا جرم أخرجها ذلك عن حكم التكرير ، فقال « منة مشهورة » لكونها عظيمة الظهور لا يمكن كتمانها ، وقوله « صنيعة بكر » فوصفها بالبكارة ، أي أن أحدا من الخلق لا يأتي بمثلها من قبل ومن بعد ، وقوله « وإحسان أغر محجل » فوصفه بالغرة ليدل بذلك على تعداد محاسنه وكثرة فوائده ، فلما وصف هذه المعاني المتداخلة الدالة على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا ولم يكن تكريرا ، وكقول أبى تمام أيضا : ذكىّ سجاياه تضيف ضيوفه * ويرجى مرجيه ويسأل سائله « 1 » فإن غرضه فيما قاله ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء خلا أنه وصفه بأوصاف متعددة ، فجعل ضيوفه تضيف ، وراجيه يراجى ، وسائله يسأل ، وليس هذا من باب التكرير ، لأن كل واحد منها دال على خلاف ما دل عليه الآخر لأن ضيفه يستصحب ضيفا طمعا في كرم مضيفه ، وسائله يسأل ، أي أنه يعطى السائلين عطاء جزلا يصيرون به معطين غيرهم ، وراجيه يرجى ، أراد أنه إذا تعلق به رجاء راج فقد ظفر بنجاح حاجته وفاز بإنجاز مطلبه ، وهذا أعظم وصف وأبلغه . الضرب الرابع من الإطناب أن المتكلم إذا أراد الإطناب فإنه يستوفى معاني الغرض المقصود من رسالة ، أو خطبة ، أو تأليف كتاب ، أو قصيدة ، أو قرطاس ، أو غير ذلك من فنون الكلام ، وهذا هو أصعب هذه الضروب الأربعة ، وأدقها مسلكا ، وأضيقها جريا ،

--> ( 1 ) ديوان أبى تمام ص 366 وفيه « وكنّ » بدلا من ذكىّ » .